الفيض الكاشاني
246
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
--> - الإنسانيّة ، فإنّ شرف الإنسان بسبب هذه الصفة الكماليّة ومزيّة بعض أفراد الإنسان على بعض آخر منها ، إنّما هي باعتبار المزيّة في الصفة الكماليّة الإدراكيّة وتكليف الإنسان منوط بهذه الصفة الكماليّة . ولهذا لم يتوجّه التكليف الذي على الإنسان ، على سائر الحيوان . وعلى أيّ تقدير ، أي سواء كان المراد من العقل النفس المجرّدة الإنسانيّة أو الصفة الكماليّة لها ، لا يصحّ أن يكون المراد من الإقبال والإدبار الحركة والمشيء مقبلًا ومدبراً ، بل المراد من الإقبال والإدبار هو المعنى الذي ذكرناه مشروحاً أوّلًا فيما سبق . وقد عرفت معنى كلّ واحد منهما مشروحاً . وأمّا كون العقل الذي هو النفس المجرّدة الإنسانية أحبّ الخلق عند اللَّه تعالى ، فلأنّك قد عرفت أن الإنسان عين الأعيان ودفتر الوجود ونسخة جامعة لجميع ما في عالم المجردات والماديّات وما في الآفاق والأنفس وليس لشيء من أجزاء النظام الجملي ، هذه الجامعيّة المطلقة ، التي هي مرتبة شريفة جليلة القدر ؛ لأنّ خليفة اللَّه تعالى بين العباد ضروري الوجود ، على ما عرفت سابقاً بالبرهان . ويجب أن يكون له جهة إلى اللَّه تعالى ، وجهة إلى العباد ، وجهة التجرّد ، وجهة الماديّة ، وجهة الإقبال ، وجهة الإدبار ، كما عرفت مفصلًا . وهذه الجامعيّة المطلقة لا يتحقّق في غير الإنسان ولا يكون مرتبته شريفة ، فوق مرتبة خلافة اللَّه تعالى بين العباد ، فهي كمال أقصى . ولهذا أمر اللَّه تعالى جميع ملائكته بسجدة الإعزاز والإكرام على آدم عليه السلام لكونه خليفة اللَّه في الأرض ، على ما عرفت سابقاً . ولمّا كانت الخلافة عن اللَّه تعالى موقوفة على الجامعيّة المطلقة وهي لا يتحقّق في غير الإنسان ، فوجب أن يكون جميع خلفاء اللَّه تعالى وهم أنبياء اللَّه تعالى وأوصياؤه من أفراد الإنسان ، فالإنسان خلق شريف عظيم ، بحيث يكون أشرف من الملائكة . ولهذا صار مسجوداً للملائكة ، فيكون الإنسان أشرف الخلائق وأحبّها عند اللَّه تعالى وما هو من الكمال الذي للإنسان ليس لغير الإنسان ، لأنّ سيّد الأنبياء صلى الله عليه وآله أشرف الأوّلين والآخرين وسيّد الكلّ في الكلّ وهو صلى الله عليه وآله فرد من أفراد الإنسان ، فالإنسان باعتبار حقيقة الكليّة أكمل الحقائق ، فيكون أحبّ خلق اللَّه تعالى وباعتبار خصوصيّة بعض الأفراد ، أيضاً أحبّ خلق اللَّه تعالى . وإنّما قيّدنا بالبعض ، لأنّ ابن ملجم وشمر ويزيد يكون كلّ واحد منهم فرداً للإنسان ، مع كونهم في نهاية الشقاوة والخسران وغاية الضلالة والطغيان لعزل العقل ومتابعة النفس الأمارة والاقتداء بالشيطان . وبالجملة كون الإنسان أحبّ خلق اللَّه تعالى يمكن باعتبارين : أحدهما : باعتبار الحقيقة المرسلة بلا مدخليّة خصوصيّة شيء من الأفراد . وثانيهما : بمدخليّة خصوصيّة بعض الأفراد على ما عرفت مشروحاً ، فأحبّ خلق اللَّه تعالى طبيعة وفرداً منحصر في الإنسان ، فظهر أنّ الإنسان عين الأعيان ورئيس أهل العرفان ، كما دلّ عليه ما وقع بين آدم عليه السلام وملائكة الرحمن . وما روي عن سيّد الإنس والجان : ( لي مع اللَّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبي مرسل ) . وقوله عليه السلام : ( ولا أكملتك إلّافيمن أحبّ ) ، معناه الظاهر أن اللَّه تعالى جعل العقل كاملًا وجعله حالّاً فيمن يكون محبوب اللَّه تعالى ، لأنّ كلمة « في » تفيد الظرفية والمحليّة لمدخولها . وعلى هذا يكون المراد من العقل الحالة الإدراكية ، التي هي مدار المعارف الإلهيّة ، التي هي المقصد الأقصى والمطلب الأعلى